الخميس، 30 أغسطس، 2012

ثرثرة.



١-
الساعة الآن تشيـر للواحدة و النصف صباحًا، قريبـةٌ للسماء بعيـدةٌ عن الأرض. الآن على متنِ طائرة هبوطها سيعني انتهاء فترة الإجازة اللطيفة؛ و اختلاطي بجفافِ العاصمـة.
الآمور حتى الآن على ما يرام، المحادثات القصيـرة بيني و بين المسافرين لطيفة، أحدهم سألني بلطفٍ عمّـا اقرأه فأجبته: الضوء الأزرق.
- للبرغوثي؟
= تمامًا، لحسين البرغوثي.
- القراءة الإلكترونية تبدو عسيرة.
= تفقد معها لذة ملامسةِ الورق، لكنها جيدة أمام اللحظات التي تشبه هذه.
انتهى الحوار بالنداء للرحلة المتوجهة للدمام، و ذهب بهدوء.
* ربما ستصافح حرفي يومًا؛ و تتذكر الحديث العابر بيننا و تأكد حينها أنك اسعدتني. 

٢-
قاومت البكاء، بينما كانت تلتف أيدي الأطفال حول عنقي مكونَـة حلقة، و أصواتهم تتطاير بسلاسـة: روان، روان، روان !
قبلة على الخد الأيمن، قبلة على الخد الأيسر، قبلة على العين و الأخرى في الجبين. ببساطة كنت قريبة من السماء، مليئة بالحب و أشعر بالزهـوّ.
الأطفال دائمًا رُسل الجنَـة على الأرض.

٣-
كنتُ أفكر بشكلٍ جديّ هل اقرأ الآن لأن القراءة رفاهيـة أم حاجة؟ هل اقرأ الآن لأني أريد أم لأن القراءة هَـوس؟ هل اقرأ لأن رصيد الكتب التي مررت بها و هو يتكاثر يبدو مذهلاً، أم لأن النفس البشريـة فيني تتهذب بالقراءة؟ هل اقرأ لمجرد القراءة؟ هل اقرأ لأنني بحاجة لأن اقيم صداقاتٍ مع أصدقاء لن ينسوا مروري بهم كالكتب؟ هل اقرأ لأني أودّ أن اقيم عالمي الخاص مستندةً على بطلِ روايـة؟ هل اقرأ لأن مزاجيتي تروضها القصائد؟
الاسئلة في عقلي لا تنتهي، و هذا جيد. المؤسف هو أنني لا أجد غالبًا إجابات كافيـة أمام طوفان اسئلتي، و هذا يبدو مخيف.

٤-
أشعـر الآن بالغربة، لأن الاصدقاء الذين اعتدت أن تصلني أصواتهم ما عِدت استشعـرُ الصدق فيها. أشعرُ بالغربـة لأن الكتف الذي كان يسع بكائي ما عاد دافئًا و قريبًا كما كان. أشعر بالغربـة لأن الصديقة التي تمسِك بخيط أفكاري جيدًا ما عادت قريبـة كما يجب. أشعر بالغربة لأن الموقف الذي ينتظِـر فرحتي الكبيرة قابلته بجمودٍ كبير، و لامبالاةٍ عظيمة.
أشعر بالغربـة لأن ما بيننـا يبدو مشروخًا و مهزوزًا الآن.

٥-
الطائرة الآن تهتز، ضغطي في إنخفاضٍ مُـذّ الصباح و حتى الآن و السعيّ الحثيث في حصولي على مأكولاتٍ مالحة لم يفي بالغرض. الآن أشعر بالخفّـة، الخفـة التي تثير الهلع.
لفتت انتباهي ابتسامة مضيف الطائرة اللطيف، و يده التي يلوّح بها. انتهت الرحلة ببساطة، الآن و مما يجدر بي ذكره أن صوت مروان خوري كان صديقي.
شكرًا مروان، شكرًا للمثقف اللطيف، شكرًا لرفيق رحلتي، شكرًا للإبتسامة على وجه مضيف الطيران، شكرًا لجسدي الذي قاوم بجديّـة فكرة سقوطي.

الأربعاء، 29 أغسطس، 2012

مقوّم المزاج.



أقِف على أعتاب المزاج المكرمِش مُـذّ يومين و حتى الآن. مزاج مكرمش؟ لا؛ معطوب؛ مخدوش؛ متدهَـور و اكثر ما أجبرني على الإبتسام قاطعةً قداسية المزاج السيء هي مبررات أمي اللانهائية. المبررات التي تحاول فيها أن تبرر هذه الحِـدّة مع تنبيه ينتقل لي عبـر الهواء و يعني: هيّـا ابتسمي ! و لو مرة ابتسمي ! 
و مما لا شك فيه أني سعيت بشكلٍ جدّي لأجد حل؛ بعدما سئمت من العروض المقدمة لي على شاكلة: موعد قهوة؛ عصير ليمون؛ كوب زهورات أو نعنع؛ قطعة شوكولا. كل هذه الحلول التقليدية لم تستطع أن تتسلل إليّ؛ أنـا الحبيسة في هذه الدائرة الضيّقـة -الضيقة جدًا-. 

بعيدًا عن فخ المزاج؛ و قريبًا من ترويقة المزاج كتبت المقطع السابق و أنا في مشادةٍ كبيرة مع نفسي. أما الآن؛ فأحاول أن أدلل أذنايّ بصوتِ ماجِـدة الرومي؛ السيّـدة التي اعتبر أن صوتها مضادًا للإكتئاب؛ للعبوس؛ للمزاجات المعطوبة؛ للأيام السيئـة. السيّـدة التي يبدو صوتها بعيدًا كغيمة؛ قريبًا كحلم يستهلِك تفكير القلب ليل نهار. ابتدأت بـ "وعدتك"؛ ثم مرورًا بـ"متغيـر و محيرني"؛ "لا ما راح ازعل على شيء"؛ انتهاءً بـ "أقبلني هيّـك" بكل الرّقـة و نعومةِ الحب المرتكِـز فيها. و بعيدًا عن فخِ "اقبلني هيك"؛ و قريبًا من ماجدة و ذوقي السماعيّ فلابد أن أذكر في مناسبةٍ كهذه أني كنت أواجه ألاف الاستفهاماتِ التي تستغرب مما أميل لسماعهِ؛ و خلال مرحلة الثانوية تحديدًا كنت اتهرب من التصريح بأني أميل لربيع صوت السِّت؛ و حالمية صوت حليم؛ و رّقة صوت كاظم؛ و أناقة صوت ماجدة؛ و تفرّد صوت فريد؛ و لا تقليدية صوت فيروز؛ و جبليّـة صوت سلوى قطريب أنـا الصبيّـة التي لم تتأثـر بالمذاق السمعي المنتشَـر بين قريناتها و فضّلت أن تبقى مائلةً لما كانت والدتها تدلل بهِ مزاجها. أنَـا الصبيّـة التي كانت تصطدم بالإستنكار من قريناتها لسببٍ بسيط يشبه أن تحمل كتابًا أدبيًا في حقيبتها لتقضي معه صحبةً رائعة في أوقاتِ الفراغ بين الحصص الدراسيـة. 
و لأني اؤمن بأن الفَن هو سلاحنا الوحيد في محاربةِ فساد العالم؛ فإني لن أتوانى عن إحياء هذا الفَن في قلبي. الفَن مقوّم المزاج. 

قبل أن انتهي من هذه التدوينة العابثة سأقول للصبيّ الذي يركضُ؛ ينام؛ يقرأ؛ و يعبث في قلبي: "أنا البنت اللي هديتَك عمرا؛ و الباقي لك من الأيَـام"*


الاثنين، 27 أغسطس، 2012

على هيئة عتب.


أمـرُ أخيرًا بمرحلةٍ عسيـرة فيما يختص بكتابة النصوص الطويلة؛ الأفكار المسترسلة؛ الأسلوب السلس و الفواصِل اللانهائيـة. كل ما أشعر به الآن أنني اكتفيت بالجمل القصيرة؛ بالنفسِ المقطوع؛ النقط التي تشرخ فكرة الاسترسال بفضاضةٍ اتعرف عليها للمرة الأولى. و خلال المرات القليلة التي كنت فيها أخرج بنصٍ طويل نسبيًا خلال الأربعة أشهر الماضية؛ كنت أشعر بأن كاتبها شخص مختلف؛ لا يمت لي بأي صلة؛ و هذا الشعور المزعج  للأسف لم أستطع تجاوزه. 
من المربك؛ المربك جدًا؛ أن تشعر بأن اسمك ألتصق بنصٍ لا تشعر إتجاهه بالأمومة. بنصٍ لا يشبه غجريّـة الإنسان فيك؛ و لا التقلبات اللامدروسة في مزاجك؛ لا يتدلى منه صوتٌ يشبه صوتك؛ و لا حدةً تعود إليك. 
تكتب و يلوّح لك غيرك. هذه خسارة محسوبةٌ عليك؛ خسارة قد لا يلحظها غيرك؛ لكنها تخدِش فيك ثقتك بإنعكاسك الثابت في صورةِ السَـطر. 
حاولت جاهدةً على أن أحصي الأسباب التي أدت إلى هذا التغييـر المفاجئ؛ التغييـر الذي لم أرحب بهِ حتى الآن و لا أظنني سأفعل؛ و توصلت لأسباب مختلفة و متنافرة منها على سبيل المثال:  
- القلق من فكرة أن أمسِك ما كتبت بيدِ المصححة؛ بعد أن نفضت يدي الكاتِبـة الأمر و ركنته جانبًا. يبدو هذا صعبًا جدًا على صبيّـة مُـذّ بدأت الكتابة و حتى الآن  تستنِـد بشكلٍ كلي على نصّ اللحظة سواء كان كيبوردي أو ورقي. صبيّـة اعتادت على أن تنجب النص ثم تدعه كما هوّ؛ و أحيانًا حتى دون أن تعيـد قرائته.  
- تقلبات النظام الناتِجـة عن رمضان؛ أيـام العيـد؛ و ما بعدهمـا. و من ثم اضطراب المزاج كنتيجة طبيعيـة. 
- فترة تعديل الجَـداول الجامعيـة التي ستبدأ في 27 أغسطس. 
- التشتت الذي يزورني مؤخرًا كالطوفان. الطوفان الذي يجدني أمامه سمكةً هزيلة بلا خططٍ مسبقة و لا حذر حقيقي.   
- تويتر؛ الذي وهبني أصدقاء رائعين و وقت بكمية ملل أقل؛ لكنـه سرق مني القدرة على تنمية الفكرة و من ثم تحويلها لنص. و جعلني أركض في محيط الـ 140 كلمة.

و كل هذه الأسباب تبدو هزيلة أمام فداحةِ المتغيـر؛ و حدّة اللاتقبل.  و بالرغم من كل ما سبق فإني الآن أفكر في أن انشئ مدونةً أشدّ تعقلاً؛ و أنـاقةً من هذه. و أفكر أيضًا فيما ستنتجه القرارات الآخيرة التي اتخذتها فيما يختص بـ "روان" الصبيّـة التي تغرق في محيط الكتابة. و أسلك مسَـار الكتابة التي تميلُ لليوميات دون دراسةً مسبقة؛ أو تفكيـر مسؤول. نعم كنت أطمح منذ صغري لأن املك يوميات بسيطة؛ تتحدث بلساني عن هفواتي؛ تقلبات المزاج؛ لحظات ضعفي و ترصـد الفرحات العابرة بي. يوميات أعود لها حالما أشعر بأن ذاكرتي بدأت تتهاوى؛ أو كلما شعرت بأن الحياة باتت قاسيّـة و أني اخيرًا لا أعرفها. يوميات قد ينعتها البعض بالهشّـة؛ و أراها غنيّـة بي. 
فعلتها مرةً؛ كتبت يومياتي في سن الثانيـة عشر؛ كانت يوميات بسيطة بلغةٍ عامية غالبًا؛ و فصحى مكسّـرة أحيانًا. كتبتُ في الإهداء أنها لروح وائل؛ الرجل الذي كان سيفهمني لو أنه كان هنـا الآن. و بدأت الكتابة بشكلٍ فعلي؛ الكتابة بشكلٍ سريّ و العامل المهم فيما يختص بالسريّـة هو أن تبقى مخبئةً عن الأعين. استمريت في الكتابة لمدة شهرين و نصف ثم توقفت؛ ربما لأني ما شعرت بفعالية هذا؛ و لا زلت حتى الآن احتفِظ بها؛ و اقرأ على صفحاتها جموح عاطفتي؛ هشاشة قلبي؛ و صوت ذكرياتي العابرة. كانت تجربة فريدة من نوعها؛ و سأحرص على أن اعيدها قريبًا بشكلٍ أشد عقلانيـة؛ و لغةً أكثر سلاسة.