السبت، 9 فبراير، 2013

بدايـة جديدة.

**

وداعًا لوطنِ الأغنيـات و النصوص القريبة. من باب البدايـاتِ الجديدة، سأنتقِل من هنا.
و الأصدقاء طبعًا يرحِب بهم الوطن الجديد "لذعَـة النعنع" :
http://www.rawantalal.com/

الاثنين، 31 ديسمبر، 2012

في وداع 2012.





الأعوام التي تعبرنـا، كما يعبر قطـارٌ متعجل محطةً ما دون أن يلتفِت لتفاصيلها الصغيـرة، لندوبها المكشوفة على السطح، لابتساماتها الواضِحة، لعددِ الأطفال الذين ينتظِـرون هذا العبور، للإشاراتِ البسيطة. كما يعبـرنا شخصٌ كنّـا نطلِق عليـه لقب صديق، قبل أن نُسيّـل لأجلهِ من الامنيـات، الدعوات، الكلمات الناعمة، الالتفاتات المهتمة : نهرًا يجـري بلا توقف. نهرًا لا يجفّ و لا يُبيّـت النيّـة بكلامٍ عاتب. كما تعبرني رائحـة حنّـاء جدتي، قبل أن تتبدد دون أن تلتفِت لمطالباتي إيـاها بالبقاء. كما تعبرنـا التفاصيل الصغيرة: رائحـة الكعك، لمعـة الكلمات في غلاف، اللحظات السعيدة المؤقتـة، فلاشَ الكاميرا السريع، وهَج القريـة الذي ينطفئ، حنيّـة الاغنيات التي نعلّق عليها قلوبنـا، طراوة القصائد التي نفصّلها على مقاسِ اللحظة. ستهرب 2012، نعم ستهرب بكل ملامحها و ملحها الذي كانت لا تتوانى في رشِه على ندوب القلب المكشوفة كلما طَل عليّ ظِل القوة المؤقت. سيهرب العام الذي كان يوازي عمرًا آخرًا ثقيلاً، و لكنه للأسف لا يتجـاوز و لا ينسى. عينٌ على السَاعة، و يدٌ على القلب، أنـا التي تخبئ شتيمتها لتطلقها على العام قبل أن يهرب بشكلٍ فعلي، و تشرِق الـ 2013. 

شكرًا لـ: 
- اليد التي كانت تمسِك بي كلما تخبّطت في الظلام، اليد التي كانت تصِل إلي بفضل الدعاء و الحب. يد أمي، التي لم تضيعني و لو لحظة. 
- الكتِف الذي كنت ألجئ إليـه، لأبكي. الكتِف الذي كان يحترم صاحبـه حزني، و يقول لي: أبكِ. أبكِ. كتف بـابا الذي لازال قريبًا مني كما لو كنت ابنـة العاشِـرة. 
- سَلمى التي كانت تخبئ وجعها و لوعتها، لتحفِـظنا نحن الذي نتخذها في جحيم هذا العالم النور الخالص. سَلمى التي كانت تحتفِظ ببكائها بعيدًا عن قلوبنـا، نحن الذي كنّـا نبكي فقَـدنا و وجعها و لوعتها و انطفائها و مرارة مصَابها الذي عبرهَـا و ترك لها ملامحًا لا تشبه كل الفرح الذي أسقتني إيـاه. 
- للجدّة النور -حمّدة- التي قاومت المرض، لأجل الله ثم أعيننـا التي كانت تبكي ضيق تنفسها. للجدّة التي قاومت المرض لأجلِ قلب بابا، و عينـه التي تبكي حزنها قبل وجعها. 
- للأيـام التي كانت تعبرني بثقل، و روتينيـة لا تتجـاوز. 
- للسَـاعات التي كنت أتجنّب فيها النقاش بالنوم الطويل، و الذي لم يكن إلا خدعة. 
- لابتسَـامتي الحقيقيـة في ذكرى ميلادي السَـابقة. لخالد الذي لم يتجـاوز صوتي، و بقَى محافظًا على دورِ اليد الممدودة و الفرحـة التي لا تنطفئ. 
- للشتائم التي كانت تقبل بسيطرتي عليها، قبل أن تنطلِق لتدمِـر مالا يمكن إصلاحه. و للشتائم الأخرى، و التي كانت تخرج بما يليق بها و اللحظَـة. 
- للأصدقاء الذين كانوا يتذكرون بريدي بنصوصهم الطويلة، أغنياتهم، بكائهم. للحظات التي أطلقنـا فيها الشتائم على العالم، الأيام المرّة، الحب الذي يعبرنـا و يتركنا في خواء، الذين اختاروا الغياب نهجًا لهم. 
- للأصدقاء الذين كانوا يحتفِظون بحميميـة اللحظة بالـ Voice notes، الضحكات اللامعهودة، النصوص الإرتجاليّـة، و المقالِب الصبيّـانية. 
- للأصدقاء الذين يعرفوني و لا أعرفهم، الذين كانوا يتركون لي كلماتهم عبر الـ ASk.Fm و الـ Sayat.me. الكلمات التي أحتفِظ بها جيدًا. 
- لعزيمتي التي لم تضعف. 
- لقلبي الذي توقف عن الاعتراض حالما وليتُ وجهي شطر الغيابِ عن أولئك الذين كانوا يثقِلون كتفي بما لا طاقـة لي بهِ. 
- لساعاتِ الصباح الأولى التي كانت تعيد لياقتي. 
- لواسيني الأعرج. الرجل الذي كان بمثابـة أقراص منظمة للمزاج، و مهدئـة لاعتراضات القلب. 
- لصوت صابر الرباعي، الذي كان بمثابة "panadol night". 
- للأيـام التي كانت تترك لي متسعًا لاقرأ. لتحدي القراءة الذي أنهيتـه بـ 144%. 
- لوعد التي كانت ظِلي الحقيقي.
- لتويتر الذي وهبني عدد لا نهائي من الأصدقاء الرائعين، جدًا. 
- لصديقة التخصص سارا، لليدّ التي كانت تشد على قلبي.
- للطريق الذي كان يربط بيتي بالجامعة، و يتعرّف علي في كل مرّة. 
- للأيـام التي لم تكن تنتظِـر مني تسليمًا كاملاً فيما يختص بوفاة الوردة: وردة الجزائريـة. لوردة التي لازالت حيّـة و تغني و تتلون في قلبي، و ذاكِرتي. 
- للبرامج الصديقـة: Day One, aNote, FoxTube, Daily Water. 
- و لصوت عبادي. و الله صوت عبادي. الجزء الوحيد من الذاكِـرة الذي لا زال صالحًا لأحمله من بعدك، الجزء الذي لم يتحـوّل حتى الآن لسلاحٍ، و جَـرح.

ما أودّه لـ 2013: 
- أن تحافِظ على قوتي، و تحتـرم المسافة التي وضعتها ما بين العالم و قلبي. 
- أن تحافِظ على وجودِ القلوب التي أحب، مُبقيـةً لهم نصيبهم من الفرح و الابتهاج و الطمأنينـة. 
- أن تكون لحظة تخرج أختي المدللة، قفزة عاليّـة نحوّ الفرح. 
- أن تبقي لي أيامًا طويلة للقراءة. 
- أن يرَى حمزة كاشغري النور بعد 326 يوم مُـرّة. و كل الشرفاء الذين حكم عليهم بالظلام. 
- أن تنتصِـر الأغنيات على الأيـام الجافّـة. 
- ألا يرحل الشتاء مبكرًا. 
- أن تبقى الأرقام العشرة التي تصِلني بك حيّـة. 
- أن تبقى ذاكرة الأصدقاء مؤثثـة بما يليق بنورهم الذي يعمّ حياتي. 
- أن تحفَل بخطوتي الأولى، بما يليق بأملي الكبير. 
- أن تنتصِـر الانسانيـة ولو مرّة.


و بلا خطط مسبقـة، لكن بأملٍ كبيـر: انتظِـر إشراقة العام، و خطوتي الأولى نحـوه. 

الجمعة، 23 نوفمبر، 2012

لم نتقاسم البرتقال.



تُغـرِد من فوق الشجَـرة
أغـرِد من قلب الحدث
تقول: تبـدو الأرض واسِعـة
أقول: يبدو لون السماء منعكسًا في يدي
تقول: لا أفكِـر بشكلٍ مطلق في شيء
أقول: يقلقني جمال الولد الأسمـر. الجمال المطلق.
تقتلني ابتسامته التي تتوهَج في دمي.
تقتلني الطريقـة التي يلفِظ بها اسمي.
تقول: الذي عبرني كان باردًا. 
و غدًا سيكون يومًا غائمًا، سأحمِل مظلة.
أقول: الذي عبرني كان دافئًا كحب. حيًا كقصيـدة. 
سيكون ظِل الولد الجميل ظلاً لي.
تقول: حزين لأن أيلول لم يأتي مبكرًا. 
أقول: حزينـة لأن الولد الأسمر، الولد الذي أحب،
لم يُعِـرّ وجودي اهتمامًا كافيًا. 
تقول: أشعر بالخيبة، فاتني موعد الإلهَـام
أقول: أشعر بالخيبة لأننـا لم نتقاسم البرتقال فيمـا بيننا.
لأنكَ لي لم تقَل: 
يا سمـراء. يـا شقيّـة. 

الأربعاء، 14 نوفمبر، 2012

ماراثون العالم.




















[1]

يتساقط الأصدقاء من حولنـا. لا أقصِـد الأصدقاء الحقيقيون، بل الذين كنّـا نعدهم أصدقاءً. يتساقطون أولئكَ الذين كنّـا نعدهم أصدقاء، لنلتفِت لشمسِ الأصدقاء المتوهِـجة. الشمسَ الأكثر دفئًا. الأصدقاء الذين ظننـا أننـا أضعناهم خلال ماراثون هذا العـالم. 
للأصـدقاء الذين يتقاسمون معي أغنيـاتهم الصباحيـة. نصوصهم السريعـة. الصور التي توثِق الأيـام الحلوّة. ابتساماتهم الملوّنـة. المقاطع الصوتيـة القصيرة. لـون اليوم. الاقتباسات من كِتـاب الأسبوع. الحديث عن شاعـرٍ ما. تدوينهم العجول ليومياتهم. و تقاطعاتنـا الفنيّـة. أقول: ابتسِـم، لأنني أشعـر بأنكم الظِل الحقيقي. لأنكم الكتِف المستعِـد لنواحاتِ القلب. و لأن انتصاراتي هي انتصاراتكم. 



[2]

أبحث عن إتزانٍ أكبر. عن إقصاءٍ حقيقي للقلب، لأسيـر خلف ما يمليـهِ علي عقلي
و القلب؟ ورطتي 
الورطـة التي أبحـث لها عن حلٍ جذري
أو نظرةٍ أكثـر شمولية 
و هذا العالم؟ لا يحمِل أكثر من لونين : رمادي و أسـود 



[3]

وقعت ! 
وقعت في فخ قصيـدة. فخٌ محكَـمٌ جدًا، كانت شرارته يوم الجـمعة الماضي و حتى اليـوم لم أستطع أن أهرب منه، أو لأكون أكثر دقَـة لم أودّ أن أهرب. لم أفكر في الهرب. إنهَـا قصيدةٌ واحدة من تلكَ القصائد التي لا تتكـرر بسهولة، تمسِك بالقلب لترَش عليـه الملح. و ابتسِـم أنـا من فرطِ الدهَشـة، من فرطِ المفاجأة، من فرطِ اللاتصديق، من فرطِ الوجع، من فرطِ .. من فرطِ .. من فرطِ الصدق. ابتسامتي الصفراء تعـاد بدّقـة. 
" آخ تبًا ! " أعيـدها بذاتِ الطريقـة في الدقيقـةِ الثالثـة، بينما يدي اليمنَى تحـاول أن تنشـر الطمأنينـة في أرجاء القلب الذي يئن. القلب الذي يشعـرُ بأن اللدغَـة كانت قاسيـة أكثر مما يجب. حفظتهـا عن ظهرِ قلب، تركت أبيـاتها متطايرةٌ بينَ المعلومـاتِ الكيميائيـة البحتَـة.
القصيـدة الفخ ستبقى: سِـرّ. 



[4] 

أنـا الصبيّـة التي ترفِض الروتين بكل ما أوتيت من قوة أتكسّـر أمام الأيـام التي تحشِـرني ضمنَ دائرةٍ ضيّقـة جدًا، لا يتسِع قطرهـا لأكثر من الركض خلف متطلباتِ الجـامعة
معدل قرائتي أنخفض بشكلٍ ملحوظ
القهَـوة : أكسيـرُ الأيـام المزدحمة
نظامي الغذائي اللامكتمل و هزلي أخيرًا 
الـ BBM يبقى بإنتظار اللحظة التي ألتفِت فيهـا لأحاديث الأصدقاء المعلقة
احتفِظ بالأحاديث القصيرة في Draft عوضًا عن فِكرة التغريد بشكلٍ مشتت
الأزرق: سِمـة الأسبوع.


[5]

قلقَـة من شعوري بأن العام الهجـري القادم سيقِف لي كندّ. 
قلقَـةٌ من فكرةِ أن أصرخ في وجـهِ العام الذي سيرحل، ثم أركله بالشتائم. 


[..........!] 

لازلت أفعلها و اكتب. ألوذ لـ "مشاركة جديدة" كلما شعـرت بأني بحاجةٍ لأن أتحـدث، و أقول بعد أن انتهي: أي غريبٍ سيحفَل بتدوين صبيّـة عن أسبوعها الفائت؟ الأسبوع الذي تمدد بين قوسي: الجامعة و أفكاركِ المتشابكة.
ابتسِـموا لختامِ الأسبوع، و استقبلوا الموسيقى.

الثلاثاء، 30 أكتوبر، 2012

ما أودّ قوله.





-1- 

يُحسَـب لي أني أخترت أن أقضي قرابَـة التسعة أيام بطريقتي. طريقتي الحميميـة بينَ الشِعـر، القهَـوة، الموسيقَى، الكتابـة، القراءة، الأفلام و الاجتماعات الصغيرة. الاجتماعات الحافَلة بالأصدقاء. 
يُحسَـب لي انسحابي من العلاقَـات المرهِقـة، الطقوس الاجتمـاعية المتكلِفَـة. تُحسب لي حدود العـزلة التي اخترتهَـا بشخوصهَـا. 
سعيدةٌ لأجل هذا. لأجل انتصَـاري الصغير. الانتصَـار الذي سيسنِـد الأيام القادِمة و يزوّده بالابتسـامات الراضيّـة. 


-2- 

كنتُ أفكر: كيف يتخِـذ أحدهم خطوةً حاسمةً كأن يكتب وصيته؟ بشجاعةٍ، دون أن يشعـر بأنه يتودد لموتهِ، بل على النقيضَ أنـه يتودد لحيـاتهِ و يترك بعده شمعةً مضيئة. الأمـر يبدو مقلقًا، حاولت أن افعلهـا لكنها كانت تتغيـر كلما تغير رِتم سيـر الأيـام، لا وصيّـة ثابتة، لا أفكار ثابتـة، لا شخوص ثابتين، الأمور تتبدل بشكلٍ سريع. كلما كبرت عامًا وجَـدت أن وجهتي تتغيـر، و هذا ما يجعلني اتسـاءل على الدوام: ماذا ستخبئ لي الأيـام القادِمة؟ ما نوع المفاجأة التي ستحمِلها الأيـام؟ ما سبب البكاء القادم؟ ما سبب الابتسامة القادمة؟ من أي بابٍ ستطرق الحيـاة بابي؟  
الوصيّـة كما أراهـا أنا: مبررٌ لذهابكَ الأبدي، كلما تساءل الذين تحبهم "لماذا اختـاره الموت؟ لماذا كان هـوّ؟". مثلاً قصيدة "آني سيكستون" التي تحمِل عنوانًا فريدًا: أريد أن أموت. أصنفَها على أنها وصيّـة. الوصيّـة التي جعلتني أبكي على حزنَ الانتحـاريين. على الجمَـلة التي الآخيرة التي ختمتَ بها كل ما تودّ قوله: أما الحب، أيًّا كان فليس إلا وباء. 


Wanting To Die" 
Anne Sexton
*
Since you ask, most days I cannot remember.
I walk in my clothing, unmarked by that voyage.
Then the most unnameable lust returns.
.
Even then I have nothing against life.
I know well the grass blades you mention
the furniture you have placed under the sun.
.
But suicides have a special language.
Like carpenters they want to know which tools.
They never ask why build.
.
Twice I have so simply declared myself
have possessed the enemy, eaten the enemy,
have taken on his craft, his magic.
.
In this way, heavy and thoughtful,
warmer than oil or water,
I have rested, drooling at the mouth-hole.
.
I did not think of my body at needle point.
Even the cornea and the leftover urine were gone.
Suicides have already betrayed the body.
.
Still-born, they don't always die,
but dazzled, they can't forget a drug so sweet
that even children would look on and smile.
.
To thrust all that life under your tongue! 
that, all by itself, becomes a passion.
Death's a sad bone; bruised, you'd say,
.
and yet she waits for me, year and year,
to so delicately undo an old would,
to empty my breath from its bad prison.
.
Balanced there, suicides sometimes meet,
raging at the fruit, a pumped-up moon,
leaving the bread they mistook for a kiss,
.
leaving the page of a book carelessly open,
something unsaid, the phone off the hook
"and the love, whatever it was, an infection.



- 3- 

للصديق الذي يشعرني دومًا بأن الحيـاة تبتسِـم كلما صافحت وجهي، أقول: 
إن الحيـاة تبتسِم فعلاً. لقد وجدتهَـا مبتسِـمة حينَ عرضتَ عليّ أن أسيـر في الطريق الذي سيوصلني إليكَ. لقد وجدتهَـا مبتسمَـة حينما مدّت إليّ ذراعها لتنتشلني من حزني بطريقتكَ، في الوقت المناسب. لقد وجدتها مبتسمَـة حين جعلت من القواسم المشتركة ما بيننـا أكبر من أن تتجـاهل. لقد وجدتهَـا مبتسمَـة حين بددت يأسي من الأصدقَـاء. لقد وجدتهَـا مبتسمَـة و كأنها تفعلها للمـرّة الأولى. 


-4- 

للصديقـة التي أشعرُ أني ما عِدت أعرفها كلما صافحتهـا، أقول: 
لقد انسحبتِ بشكلٍ يؤلمني. ما عادت يدكِ تبحث عني في ظلام الحيـاة، ما عاد صوتكِ يهرب إليّ كلمـا خنقه البكاء، ما عاد كتفي يمثل لكِ الكتف الصالح لأن يسندكِ كلما زار اليـأس قلبكِ. يا للأسَف، ما عدت الرقم واحـد في سُلَّـم علاقاتكِ، ما عادت اهتماماتنا المشتركَـة ذات قيمة.. ما عدنـا يا صديقتي أصدقَـاء كما يجب، و هذا ما يحزنني. 


-5- 

للكلمَـة المالحـة التي كادت أن تخدِش ابتسامتي، أقول: 
إنني ابتسِـم كما لو أن افعلهَـا للمرّة الأولى. 

-6- 

للشقيّ الذي يقفِـز في ذهني كلما توددت للكتـابة، أقول: 
غادرني، ولو مـرّة. علمّني كيف أواجـه عاطفتي بقلبٍ جافّ، لتهَـرب. علمّني كيف أتجـاهل لغَـة سماركَ و لا ألتفِت. كيف أسيـرُ في الطريق الآخر، الطريق الذي لا يوصلني بكَ، بثباتٍ و ابتسامةٍ لا تُهـزم. كيف أبقي على قلبي حيًّـا دون أن تخدِشه فكرة أني احبكَ. 


الاثنين، 15 أكتوبر، 2012

المخَـرج المناسب.



-1- 

كنت أشعـر بالروتين يفترِسني، و يُفسِـد عليّ محاولاتي الجادّة للتأقلم مع المحيط بأدق جزيئاتهِ. 
الروتين الذي لا يترك لك فرصةً لتتحدث، لتفعل، لتكتب، لتقرأ، لتستشعِـر بأحاسيسك كلها عظمَة الموسيقَى. الروتين الذي سيطَـر على تفاصيلي الصغيـرة لفترة، كنت أشعـر اتجاهه باللانتمَـاء، أنـا الصبيّـة التي تطيـر لمغامراتها و حياتها الملوّنـة. كنت أشعِـره على الدوام بأني سأثور عليـهِ، ثورةً تامة ستُختم بالنصَـر، الخوف وحده كان قيدي. الخـوف من الفَشل، لكني الآن أعتقِـد بأني بدأت في المرحَلة الحاسمة من الثورة. المرحَـلة التي تستوجب أن اكون حاضرةً بإرادتي كلها، بصوتي بصورتهِ الكاملة و بالنفَس الطويل. النفسَ الذي لن يخـذِلني أخيرًا. 
مُنـذ الثامن من سبتمبَـر، اليوم الدراسي الفعليّ الأول ركَلت الصبيّـة اللامباليـة و استحضرت الحازِمَـة. الصبيّـة التي تُمسِك بزمام الأمور، تتقبل ساعات الدراسَـة الطويلة برحَـابة، تبتسِـم صباحًا، تصنع مزاجَـها و تقتل التَـذمر. نعم حتَى الآن و خلال السبعَـة أسابيع الماضيّـة استطعت أن أحصِـد نتائجًا مرضيّـة. ستتحسَن مع مرور الوقت بشكلٍ ملحَـوظ. 



-2- 

بعض الصديقات و خلال الخمسَـة أعوام الماضيّـة كانوا يطلقون عليّ لقَب "ماما". اللقب الذي يُشعِـرني فجأةً بأن هذا العالـم سيسقط بشكلٍ مباغت، و أن كل ما علي أن افعله هو أن أتخيّر اللحظة المناسبة لأمدّ فيها يدي، و أنقِـذ الموقف. الأمَـر مخيف، أقصِـد أن أظل متيقظَـة على الدوام تحسّبًا للنداء، دون أن يسرقني الوقت في تأملِ الفَن، أو إعداد كوب القهَـوة أو الانغماس بشكلٍ فعليّ في القراءة. هذا القلقَ جعلني أتخيّـر لقب "الشجَـرة" التي تبقَى واقفـةً أمام عوامَـل التعريّـة، أمام احتضاراتها الداخليّـة. الشجَـرة التي تصفَـرّ دون أن تسقط. الشجَـرة التي تبقي لأصدقائها مساحة الظِل الكافيّـة، دون أن تسألهم أن يطلقوا عليها اسمًا لطيفًا، يشَـاركونها أغنياتهم المفضَـلة أو حتَى أن تسَـألهم حقها في السُقيـاء. أنَـا الصبيّـة الشجَـرة التي تلقَت اللوّم من أصدقائها حينَ قالت يومًا : "أصعب اكتشـاف هو اكتشافك بأن قلبكَ شجرة. و أن اصدقائك يتوددون لشجَـرة قلبك كلما شعـروا بحاجتهم للظلّ، ثم يتركونك وحيدًا." أقول أني اتنـازل للعالـم عن هذا الدور. عن هَـذا القلق المستمِـر. 



-3-  

كنت أفكِـرّ جديًّـا في فكرة أن ابدأ بكتابـةِ يومياتي، لكني دومًا ما أجِـد الوقت المزدحم عائقًا للفكرة. هذا غيـر أن السؤال الشَـرِس الذي يقول: "عن ماذا ستكتبين بما أن ركضك بينَ قاعاتِ محاضراتك يسلب منكِ ثلثي يومكِ؟" يهشِّـم لحظات الإرادة التي كنت أحاول أن ابقيهـا حيّـة لوقتٍ أكبر. كانت لي تجـربة مع تدوين اليوميات ورقيًّـا و كانت تجربـة ضعيفة، لأنني غالبًا ما أنسَى أن أحمِل دفتر اليوميات معي خلال يومي. التجربـة الآخرى التي كانت عبر موقع كنّاشَـة، كانت تجربـة يُسيطر عليها التهاون من قبلي. و لهذا أستطيع أن أقـول أن شغفي لكتابتها لم أوظفه بالشكل المطلوب. 
لكني سأفعلها يومًا. 
سأفعلهـا لأنني لا أودّ أن أكون ورقـةً ساقطةً من حسابات العالـم دون أن أبقي لي أثرًا. سأترك لهذا العـالم شيئًـا يربطني بهِ حتَى بعد أن أودعـه، لتقول أمي: أوه، لقد كانت صغيرتي ناضجةً بما فيـهِ الكفاية. لقد كانت قويّـة لم تستسلم لليأس الذي كان يحاول أن يطرق قلبها بشكلٍ متكرر. 
ستقول أختي: لقد كان تؤلـمها شجاراتنا الصغيرة، لقد كانت تهتم لي. تهتم و كأنني ظِلها الذي تخـاف أن تخفيـهِ الليالي الطويلة. 
سيقول أبي: لقد كانت مكافحـة، و لا إنصياعهـا لصوتِ القبيلة كان صائبًا. صغيرتي التي كانت تجمعني بها صداقةً عميقة، كانت تأخذ هذه العلاقَـة على محمل الجدّ. 
سيقول صديق ما: لقد كانت تخجَـل من فكرة أن تلوذ إليّ من كابوس عابر. هذه الصبيّـة التي جمعتني بها الصَدفة في الوقت الضائع، رحَلت بشكلٍ مباغت. 
ستقول أنتَ: يا للخسَـارة. يا للخسَـارة. و تسقط. 



- 4 - 

* هذه المسافَـة ما بيننا تخدِش إحساسي بالرضا يا صديقتي. 
* كيف يقل وهجكِ في انعكاساتِ صوتي، أنتِ التي بقيتِ محافظةً على دور الكتف القريب؟ الكتف الذي لا أميزه الآن.
* و أنـا؟ أنا التي اعتادت على أن تجِـد العلاقة الخفيّـة بينكِ و أطفال السعادة الراكضَـة في الصدر، كيف اغفر للوقت الذي يمرني دونكِ؟ 
* و أنـا؟ أنا التي تصنفكِ كأغنيّـة تكسِر روتين الحيـاة، كيف انتصِر على استحالة عودتنا كجسدٍ و ظله؟ 
* و أنـا؟ أنا التي كنت أسدِد الشتـائم للعالم ثم ألوذ لظلكِ، كيف أغلق الباب ما بيني و بين العالم الجائع لمشهـدٍ حزين؟ 

إنني اعيد كتابـة هذا لكِ، من باب التأكيـد. أو لعلي افعل هذا لأثبت لكِ بأن الميـاه ما عادت تجريّ بشكلٍ مثالي في مجاريهـا، و بأن المسافة ما بيننـا ممتدة. ممتددددددة ! جدًا. 



-5- 

في هذه اللحظَـة احتاج لدليلٍ حقيقي. دليل للمزاج، لأحدد ما أنـا عليـهِ الآن و اختـار المخرج المناسب. 



-6-

اكتب هذه التدوينـة بينما أنا انصِت بجوارحي للسيّـدة العظيمة وردَة -رحمها الله- و : بودّعَـك
الأغنيّـة التي لا زِلت أنسج حولها ألاف الحكايـا في كل مرةٍ استمع لها. استمعوا لها. اصنعوا قصصكَـم، بينما يدٌ تمتَـد نحوّ الفراغ و الآخرى صوب القلب. 



الخميس، 30 أغسطس، 2012

ثرثرة.



١-
الساعة الآن تشيـر للواحدة و النصف صباحًا، قريبـةٌ للسماء بعيـدةٌ عن الأرض. الآن على متنِ طائرة هبوطها سيعني انتهاء فترة الإجازة اللطيفة؛ و اختلاطي بجفافِ العاصمـة.
الآمور حتى الآن على ما يرام، المحادثات القصيـرة بيني و بين المسافرين لطيفة، أحدهم سألني بلطفٍ عمّـا اقرأه فأجبته: الضوء الأزرق.
- للبرغوثي؟
= تمامًا، لحسين البرغوثي.
- القراءة الإلكترونية تبدو عسيرة.
= تفقد معها لذة ملامسةِ الورق، لكنها جيدة أمام اللحظات التي تشبه هذه.
انتهى الحوار بالنداء للرحلة المتوجهة للدمام، و ذهب بهدوء.
* ربما ستصافح حرفي يومًا؛ و تتذكر الحديث العابر بيننا و تأكد حينها أنك اسعدتني. 

٢-
قاومت البكاء، بينما كانت تلتف أيدي الأطفال حول عنقي مكونَـة حلقة، و أصواتهم تتطاير بسلاسـة: روان، روان، روان !
قبلة على الخد الأيمن، قبلة على الخد الأيسر، قبلة على العين و الأخرى في الجبين. ببساطة كنت قريبة من السماء، مليئة بالحب و أشعر بالزهـوّ.
الأطفال دائمًا رُسل الجنَـة على الأرض.

٣-
كنتُ أفكر بشكلٍ جديّ هل اقرأ الآن لأن القراءة رفاهيـة أم حاجة؟ هل اقرأ الآن لأني أريد أم لأن القراءة هَـوس؟ هل اقرأ لأن رصيد الكتب التي مررت بها و هو يتكاثر يبدو مذهلاً، أم لأن النفس البشريـة فيني تتهذب بالقراءة؟ هل اقرأ لمجرد القراءة؟ هل اقرأ لأنني بحاجة لأن اقيم صداقاتٍ مع أصدقاء لن ينسوا مروري بهم كالكتب؟ هل اقرأ لأني أودّ أن اقيم عالمي الخاص مستندةً على بطلِ روايـة؟ هل اقرأ لأن مزاجيتي تروضها القصائد؟
الاسئلة في عقلي لا تنتهي، و هذا جيد. المؤسف هو أنني لا أجد غالبًا إجابات كافيـة أمام طوفان اسئلتي، و هذا يبدو مخيف.

٤-
أشعـر الآن بالغربة، لأن الاصدقاء الذين اعتدت أن تصلني أصواتهم ما عِدت استشعـرُ الصدق فيها. أشعرُ بالغربـة لأن الكتف الذي كان يسع بكائي ما عاد دافئًا و قريبًا كما كان. أشعر بالغربـة لأن الصديقة التي تمسِك بخيط أفكاري جيدًا ما عادت قريبـة كما يجب. أشعر بالغربة لأن الموقف الذي ينتظِـر فرحتي الكبيرة قابلته بجمودٍ كبير، و لامبالاةٍ عظيمة.
أشعر بالغربـة لأن ما بيننـا يبدو مشروخًا و مهزوزًا الآن.

٥-
الطائرة الآن تهتز، ضغطي في إنخفاضٍ مُـذّ الصباح و حتى الآن و السعيّ الحثيث في حصولي على مأكولاتٍ مالحة لم يفي بالغرض. الآن أشعر بالخفّـة، الخفـة التي تثير الهلع.
لفتت انتباهي ابتسامة مضيف الطائرة اللطيف، و يده التي يلوّح بها. انتهت الرحلة ببساطة، الآن و مما يجدر بي ذكره أن صوت مروان خوري كان صديقي.
شكرًا مروان، شكرًا للمثقف اللطيف، شكرًا لرفيق رحلتي، شكرًا للإبتسامة على وجه مضيف الطيران، شكرًا لجسدي الذي قاوم بجديّـة فكرة سقوطي.